ابن الجوزي
107
القصاص والمذكرين
إن العلاج الصحيح هو أن يوفر لأهل العلم الكسب الحلال الذي يصونون به علمهم وماء وجوههم . . . وهذا بعد التربية والتقويم أيام طلب العلم . إننا لا نستطيع دائما أن نطالب الناس بالمواقف المثالية ، وهناك ضرورات وحاجات تلح عليهم في الليل والنهار للغذاء والكساء والمسكن ولرعاية شؤون الأولاد . وقد رأيت في صغري بعض أهل العلم الشرعي يتساهلون في الناحية المادية ، حتى يدخل عليهم شيء من المال الحرام فيجعلوا ألسنة الناس تنطلق في ذمهم . وزرت بعض الجامعات في بلد فسمعت قصصا عدة تروى عن عدد من أساتذتها ، ما حملهم على سلوكها إلا الانخفاض الشديد في الرواتب التي يأخذونها ، وضغط مطالب الحياة على الناس ، ولا نتوقع أن تكون هناك نسبة عالية من الناس يؤثرون المثل على ضرورات الحياة . ولا بد للمصلحين من نظرة عميقة للظواهر ، فيعالجوا الأسباب مع معالجة الظواهر . . . إنهم بمثابة الأطباء . . فالطبيب يعالج الظاهرة المرضية التي يشكو منها المريض ، وهو في الوقت ذاته يعالج الأسباب التي جلبت المرض . وهناك كتب عدة نقدت القصاص ذكرناها في الفصل السابق ، ولكن مزية كتابنا أنه ذكر ما للقصاص من محاسن وما عليهم من مآخذ . وربّما كان أميل إلى جانبهم ، على خلاف أولئك المؤلفين ، ولعل ذلك يعود إلى أنه كان من كبار القصّاص وإلى أن هناك قوما من الأفاضل كانوا يقصون . وإنه لجدير بأن يوفي الموضوع حقه لما عرف من سعة علمه وثاقب فهمه وتنوع معارفه وعظم استحضاره .